Search

تنازلات بيضاء

Updated: Sep 7, 2019

"إن كان لابد أن تكذب ، اكذب بذكاء .. لا تجعلني أتنازل عن نصف عقلي لأصدقك (روبرت مارلي، مغني وكاتب أغاني). 

    هل يعني ذلك أن التنازلات التي نقدمها تجعلنا نقحم عقولنا في ميدان الغباء؟ وفقًا لمعجم المعاني، كلمة تنازُل تعني: "ترك المرء حقًّا له أو فائدة تعود إليه".  فهل هذا الترك مُدرج ضمن إطار الصّفح أم العطاء أم السذاجة؟  ألا يمكننا أن نعتبرها تنازلاتٍ بيضاء؟ حيث أنها تتخذ موضعا تحت أحد عناصر قائمة: "سوّي خير وارميه في البحر"، "لا تدقق"، "مشّي حالك"، "اقطعها من قاصرها"، "سَلّك عشان أمورك تمشي".  إن جميع ما سبق هي ردات فعل قد لا تجعلنا نبدو مغفلين في أعيننا، بينما نحنُ في الحقيقة مغفلون ويسهُل التلاعب بنا في أعين غيرنا!  وهنا تكمن المُعضلة. 

     لطالما افتعلتُ الكثير من المشاكل حتى اجعل من أمامي يدرك بأنني لست بالمغفلة، أو الساذجة، وإنما واعية تمامًا بما يحدث حولي، ولستُ ممن "يِسَلّك" في كل شاردة و واردة في معظم الأحيان. إلا أنه على الرغم من ذلك، ونتيجة لصفحي المتتابع، قيلَ لي مرة: "إن القانون لا يحمي المغفلين"، ثم تبادرت ضِحكة هازئة من ناطقها! وذلك من باب نعتي بالمغفلة بطريقة مباشرة جدًا!  

تساءلت.. هل يجب إذًا ألا نضحك، ونأخذ الأمور دائمًا على محمل الجد دون أدنى تنازُل؛ حتى نحمي أنفسنا من مثل هذه المواقف والنعوت؟ وإن كانت تنطق من باب الدعابة الجارحة؟  أم أنه علينا بالفعل تقديم تنازلات بيضاء، باعتبارها من ضرورات الحياة اليومية؟ 

لكن هل يستحق الأمر أن نتنازل بينما نحنُ نتأذى من الداخل؟ إن حدث ذلك فهذا لا يعني بأنها تنازلات بيضاء، بل هي تنازلات سوداء ترغمنا على أن نرى الأمور جليّةً صارخةً على حقيقتها بشكلٍ حادّ حتى لا تتكرر المواقف!

بناءً على ذلك، لنتّفق على التالي.. عندما نقرر تقديم التنازلات البيضاء، فهذا يعني بأننا لن نعود إلى الأمرِ مجددا بل نتركهُ لله بالفعل، وستلعب دائرة الكارما دورها يومًا ما وسننال تعويضًا ضخمًا، وحينها لن نقول أبدًا سُحقًا لما حدث، بل شكرًا، وشكرًا جدًا لكل ما حدث حتى يتبعه هذا التغيير وهذا العطاء.  

وأخيرًا، فلنتذكر دائمًا بأنّ تنازلاتنا البيضاء لا يجب أن تكون مُتتابعة حتى لا نُصنّف "مغفّلين". 

- فتون مدني



10 views0 comments

Recent Posts

See All